ابن خلدون
233
تاريخ ابن خلدون
المؤمن ولما نزل على فاس اعتزم أبو حفص هذا على الفرار فتقبض عليه في طريقه واعتذر فلم يقبل عذره وقتل وكان ابنه أحمد كاتبا لإسحاق بن علي بمراكش فشمله عفو السلطان فيمن شمله من ذلك الغل وخرج في جملة الشيخ أبى حفص في وجهته هذه وطلبه للكتاب في ذلك فأجابه واستحسن كتابه عبد المؤمن لما وقف عليه فاستكتبه أولا ثم ارتفع عنده مكانه فاستوزروه وبعد في الدولة صيته وقاد العساكر وجمع الأموال وبذلها ونال من الرتبة عند السلطان ما لم ينله أحد في دولته إلى أن دبت السعاية إلى جهاده الوثير فكان فيها حتفه ونكبه الخليفة سنة ثلاث وخمسين وقتله بمحبسه حسبما هو مشهور ولما انصرف الشيخ أبو حفص من غزاة ماسة راح بمراكش أياما ثم خرج غازيا إلى القائمين بدعوة الماسي بجبال درن فأوقع باهل نفيس وهيلانة وأثخن فيهم بالقتل والسبي حتى أذعنوا بالطاعة ورجع ثم خرج إلى هسكورة وأوقع بهم وافتتح معاقلهم وحصونهم ثم نهض إلى سجلماسة فاستولى عليها ورجع إلى مراكش ثم خرج ثالثة إلى برغواطة فحاربوه مرة ثم هزموه واضطرمت نار الفتنة بالمغرب وانتقض أهل سبتة وأخرجوا يوسف بن مخلوف التينمللي وقتلوه ومن كان معه من الموحدين وأجاز القاضي عياض البحر إلى يحيى بن علي بن غانية المسوقي الوالي بالأندلس فلقيه وطلب منه واليا إلى سبتة فبعث معه يحيى بن أبي بكر الصحراوي الذي كان بفاس منذ منازلة عبد المؤمن لها وذكر أنه لحق بطنجة فأجاز البحر إلى الأندلس ولحق بابن غانية بقرطبة وصار في جملته وبعثه ابن غانية إلى سبتة مع القاضي عياض كما ذكرناه وقام بأمرها ووصل يده بالقبائل الناكثة لطاعة الموحدين من برغواطة ودكالة على حين هزيمتهم للموحدين كما ذكرناه ولحق بهم من مكانه لسبتة وخرج إليهم عبد المؤمن بن علي سنة ثنتين وأربعين فدوخ بلادهم واستأصل شأفتهم حتى انقادوا للطاعة وتبرؤا من يحيى الصحراوي ولمتونة ورجع إلى مراكش لستة أشهر من خروجه ووصلته المرعبة من مشيخة القبائل في يحيى الصحراوي فعفا عنه وصلحت أحوال المغرب وراجع أهل سبتة طاعتهم فتقبل منهم وكذلك أهل سلا فصفح لهم وأمر بهدم سورهم والله أعلم * ( فتح الأندلس وشؤونها ) * ثم صرف عبد المؤمن من قصره إلى الأندلس وكان من خبرها انه اتصل بالملثمين مقتل تاشفين ابن علي ومنازلة الموحدين مدينة فاس وكان علي بن عيسى بن ميمون قائد أسطولهم قد نزع طاعة لمتونة وامترى بجزيرة قادس فلحق بعبد المؤمن بمكانه من حصار فاس ودخل في دعوته وخطب له بجامع فاس أول خطبة خطبت لهم بالأندلس عام أربعين وخمسمائة وبعث أحمد بن قسى صاحب مرتلة ومقيم الدعوة بالأندلس أبا بكر بن حبيس